حيدر حب الله
13
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
هي مختزنة في اللاوعي نتيجة تراكم المعطيات الفكرية ، تماماً كما حصل - وفق ما بيّناه - مع المدرسة التراثية ، لكن مع فارقٍ في أن درجة التنظير المفاهيمي في المدرسة التراثية أكبر منه في المدرسة المعاصرة ، وذلك - كما قلت - نتيجة الجهد المركّز على الأجيال ، فإن هذا العمق التاريخي سمح لهذه المدرسة بالكشف عن بناءات كثيرة تقوم عليها ، فيما المدرسة المعاصرة ما زالت تعاني - في بعض أوجهها - من درجةٍ كبيرة من اللاتنظير في هذه الأسس ، وهو ما زاد من الغموض حولها أمام الطرف الآخر الذي لم يَعِش هذه الأسس في لاوعيه . ولكي أعطي مثالًا ، أذكر مسألة تاريخية النصّ الديني ، فقد ذهب فريقٌ معاصر إلى القول بأنّ الأصل في الأحكام الفقهية أن تكون تاريخيةً ، وأن الحكم الثابت الإلهي يحتاج إلى شاهد يدلّ عليه ، فلو أصدر النبي صلى الله عليه وآله حكماً فإن القاعدة تستدعي اعتباره حكماً تاريخياً مرحلياً لا نشاط له في الحقبة المعاصرة ، إلا إذا ساعدتنا الشواهد الخاصّة على إثبات استمراريّته في الزمان والمكان ، كما أنّ بعض أنصار التاريخية ، ولو لم يصرّحوا بهذا المبدأ ، إلّا أنّهم كثيراً ما يتعاطون مع النصّ الديني بعقلية تاريخية . وعلى العكس من ذلك المدرسة التراثية ؛ حيث اعتبرت - بالأعم الأغلب منها على الأقلّ - أنّ الأصل في النصوص الدينية أن تكون إلهيةً ثابتة عبر الزمن ، وأنّ الحديث عن تاريخيّتها يظلّ هو الاستثناء الذي يحتاج إلى شاهد أو قرينة ؛ ولهذا قلّ توظيف المنطق التاريخاني في التعامل مع النصوص الدينية في الوسط التراثي ، مع نسب مختلفة بين مثل مدرسة الرأي ومدرسة الحديث . وهنا نلاحظ أنه من النادر أن يتصدّى الفريق المعاصر في الاجتهاد الفقهي لدراسة تاريخية النصّ الديني على صعيد أصول الفقه ، وحتى لو تصدّى لذلك ،